عبء الإيجار يكسر ظهر اللاجئ الفلسطيني في سوريا

ظاهر صالح _ مجموعة العمل
معاناة مضاعفة تحت وطأة التشرد والفقر
في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سوريا، تتجاوز معاناة اللاجئين حدود التغييب والتهميش، لتمتد إلى صميم حقوقهم الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها الحق في مسكن لائق. فمع الانهيار الاقتصادي المتسارع والضغط المتزايد على الوحدات السكنية، تحوّلت الإيجارات إلى عبء وجودي لا يُطاق، خاصةً لأولئك الذين فقدوا بيوتهم في نزوح متكرر، ولم يتبقَّ لهم سوى هشاشة الاعتماد على مساعدات “الأونروا” الضئيلة.
ومع تزايد أعداد الفلسطينيين العائدين من بلدان اللجوء أو من مناطق النزوح الداخلي، إلى جانب تنقل الشباب بحثاً عن فرص عمل، تفاقمت أزمة السكن في مخيمات كانت أصلاً على خط المواجهة، مثل: اليرموك، خان الشيح، سبينة، والحسينية. هذه المخيمات التي نهضت من تحت الركام ليعود إليها من تبقى من سكانها، تعيش اليوم ضغطاً مضاعفاً: نقص حاد في الوحدات الصالحة للسكن، تدهور حاد في القدرة الشرائية، واعتماد كلي على مساعدات “الأونروا” التي باتت بالكاد تسد الرمق. في هذا السياق، لم يعد الإيجار مجرد التزام مادي، بل هاجساً يومياً ينذر بكارثة إنسانية تهدد بتهجير جديد داخل “الوطن الصغير”.
اليرموك.. حلم العودة يصطدم بواقع “الدولار”
في مخيم اليرموك بدمشق، الذي كان يوماً رمزاً للكفاح، بات العثور على منزل آمن حلماً بعيد المنال. عاد “أبو صلاح” من رحلة نزوح مريرة في لبنان، ليبدأ رحلة بحث مضنية عن مأوى لأسرته المكونة من ستة أفراد. لم يجد سوى شقة متواضعة في أطراف المخيم بمساحة 70 متراً، بإيجار شهري بلغ 300 دولار، مع اشتراط دفع إيجار ستة أشهر مقدماً، بالإضافة إلى التأمين وعمولة المكتب العقاري. لم يكن يملك “أبو صلاح” سوى مدخرات قليلة أنفقها دفعة واحدة في سبيل مأوى يحفظ بضعاً من الكرامة.
أما الكثير من اللاجئين الآخرين، فلا يملكون مدخرات أصلاً، ويعتمدون على مساعدات “الأونروا” الزهيدة، التي لا تكفي لتأمين قوت اليوم، ناهيك عن تكاليف السكن التي أصبحت “للقادرين فقط”.
أرقام خيالية وواقع قاسٍ
من خلال جولة ميدانية في شوارع مخيم اليرموك المدمرة جزئياً ومخيمات ريف دمشق، يتضح أن سوق الإيجارات لم يعد يرحم محدودي الدخل. فالمنازل القليلة التي رُممت أو صمدت أمام الحرب تُعرض بأسعار خيالية؛ ففي اليرموك، قلّما تجد منزلاً يقل إيجاره عن 300 إلى 400 دولار، خاصة في المناطق القريبة من الخدمات.
وفي مخيمات مثل “سبينة” أو “الحسينية”، حيث يعيش مهجرون لمرات عديدة، يتراوح إيجار الغرفة الواحدة مع مطبخ بسيط بين مليوني وثلاثة ملايين ليرة سورية (ما يعادل 200-300 دولار تقريباً)، وهو مبلغ يفوق بمراحل إمكانيات عائلات تعتمد على المساعدات أو الأعمال المياومة.
وفي مخيمات “خان الشيح” و”جرمانا”، يعاني السكان من شح المياه وانقطاع الكهرباء وغياب الخدمات البلدية، ومع ذلك يصل إيجار المنزل البسيط إلى مليونين ونصف المليون ليرة، وقد يصل إلى 500 دولار إذا كان مفروشاً.
يقول “أبو أحمد”، أحد سكان مخيم خان الشيح: “صرنا نتمنى العودة إلى الخيام، كان حالنا أفضل. هنا الإيجار يأكل قوت أولادي، وصاحب البيت يرفع السعر باستمرار بدعوى ارتفاع سعر الصرف، ونحن لا نعرف كيف نتدبر أمرنا”.
شهادات معجونة بالوجع
تتحدث “أم محمد”، وهي أرملة فقدت زوجها خلال الحرب، بصوت مخنوق: “ابني يعمل بالأجرة، وأختي تساعدنا بمبالغ بسيطة من الأردن، لكن الإيجار يبتلع كل شيء. بتنا نفكر في العودة للخيام، الله يكون في عوننا”.
أما “رامي”، وهو شاب من مخيم اليرموك، فيستذكر غضبه أثناء حديثه مع صاحب مكتب عقاري: “غرفة وصالون بـ 500 دولار؟! أين نعيش؟ نحن لاجئون ولسنا تجاراً!”. ويوضح رامي أن بعض المكاتب ترفض تأجير الفلسطينيين بحجة “عدم الاستقرار”، مما يضطرهم لقبول أي سعر يُفرض عليهم لتأمين سقف يحميهم.
استغلال الحاجة وغياب الرقابة
في مشاهدة ميدانية أخرى بمنزل في مخيم الحسينية مساحته 50 متراً فقط، عُرض للإيجار بمليوني ليرة رغم افتقاره للتدفئة وتهالك نوافذه وأبوابه. يقول صاحبه ببرود: “هذا هو السعر، والطلب كثير.. إذا لم ترغب به، فهناك غيرك ينتظر”.
وفي مخيم سبينة، وصل الاستغلال إلى اشتراط بعض الملاك أن يكون المستأجر “سورياً لا فلسطينياً”، تخوفاً من اضطرار العائلات الفلسطينية للنزوح مجدداً، مما حول اللاجئ إلى “مستأجر غير موثوق” في نظر البعض.
تحليل الأزمة: انهيار القدرة الشرائية
أوضح الباحث الاجتماعي والخبير في شؤون اللاجئين، جمال عبد النبي، أن تفاقم أزمة السكن يعود لعوامل متعددة، أبرزها: تدمير معظم المخيمات، خروج آلاف الوحدات عن الخدمة، توقف الأونروا عن توفير بدائل سكنية، وانهيار قيمة الليرة. ويضيف: “العامل الأهم هو التمييز غير المباشر في السوق المحدود، مما يرفع الأسعار لمستويات لا يمكن للعائلات مجاراتها، فالمعونة الإنسانية لا تتجاوز 40 دولاراً، بينما الإيجار يتجاوز الـ 200 دولار، وهنا تقع الكارثة”.
وعن الجانب القانوني، أشار إلى أن العقود غالباً ما تكون شفهية وغير موثقة، مما يجعل اللاجئ عرضة للطرد في أي لحظة، في ظل غياب دور رسمي لتنظيم سوق الإيجارات.
ختاماً.. أزمة وجود لا أزمة سكن
إن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا اليوم تتجاوز غلاء الأسعار؛ إنها أزمة وجود وبحث عن أمان مفقود. يبقى الفلسطيني بين نارين: نار التهجير ونار الغلاء الفاحش. الحل لا يكمن في يد الدولة وحدها، بل يتطلب تدخلاً أممياً عاجلاً لإعادة ترميم المخيمات ودعم برامج الإسكان، وإلا فإن مشاهد الخيام قد تعود للظهور مجدداً، ولكن هذه المرة داخل أزقة المدن السورية.

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة