رمضان في مخيم الحسينية من ذاكرة النزوح إلى إرادة الحياة قراءة سريعة في تحولات رمضان منذ عام 2012 حتى 2026

إبراهيم محمد ـ مجموعة العمل 

بدا مخيم الحسينية في ريف دمشق، قبل عام 2012 مساحةً نابضة بالحياة لأهله من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، تتجاور فيه البيوت المتواضعة مع المحال الصغيرة، وتتعانق فيه أصوات المساجد مع ضحكات الأطفال في ليالي رمضان. لكنّ السنوات التي تلت اندلاع المعارك في سورية حملت تحوّلات عميقة طالت تفاصيل الشهر الكريم، من ملامح المائدة إلى شكل التضامن الاجتماعي.

رمضان الأول بمدافع حقيقية

تصاعدت العمليات العسكرية في محيط المخيم والمناطق القريبة منذ بداية عام 2012، وكان الشهر السابع من نفس السنة بداية دخول المخيم في أتون المعارك، وتغيّر وجه رمضان سريعاً في ذلك العام، حيث ازدادت ساعات انقطاع الكهرباء والمياه، وغابت الزينة ومظاهر الاحتفال بالشهر الكريم على غير العادة، احترامًا لذوي الشهداء والمناطق المنكوبة المجاورة، خاصة في بلدة الذيابية، التي كانت ضحية طيران نظام الأسد وميليشياته الطائفية.

واللافت في ذلك العام، استقبال المخيم لأكثر من 10آلاف نازح من المناطق القريبة، التي كانت عرضة لقصف النظام، ومجازره، وبرزت في ذلك العام مبادرة لمساعدة العوائل المهجرة في المدارس وعند الأقرباء.

في تلك المرحلة، لم يعد رمضان شهر الطقوس الاحتفالية بقدر ما أصبح شهر الصبر والتكافل الجماعي؛ وازدادت أعداد الصائمين على الموائد، بسبب الضيوف الجدد.

سنوات النزوح والتشظّي، رمضان بعيداً عن الديار

كان رمضان 2012 هو الأخير قبل الخروج من المخيم، بدأت بعده الظروف الأمنية والاقتصادية، تزداد تعقيداً، حتى شهد المخيم موجات نزوح داخلي وخارجي. وتوزعت العائلات في مناطق سورية مختلفة أو خارج البلاد، ما أثّر على البنية الاجتماعية للمخيم، وبقي المخيم ثلاث سنوات دون أهله، وبقي أهله ينتظرون العودة رمضان تلو الآخر، لا آذان فجر ولا تراويح ولا مائد صغيرة أو كبيرة، ولا حياة.

وخارج المخيم كان معظم الأهالي يعتمدون على السلل الغذائية والإعانات، وبدأ موجة النزوح خارج البلاد، وبدأت الموائد تتقلص، كماً ونوعاً، وحجماً بسبب الغياب، كثيرون حرموا من صلاة التراويح خشية الاعتقال والتغييب في السجون.

عودة الأمل وبداية ترميم

كان رمضان 2016 هو الأول في مخيم الحسينية بعد العودة من النزوح، ظهر فيه تحسّن نسبي في الاستقرار، بدأت بعض العائلات بالعودة إلى المخيم، وظهرت محاولات لترميم البيوت وإعادة فتح محال صغيرة، ومعه عادت الزينة الرمضانية بشكل متواضع إلى بعض الشوارع.

استؤنفت حلقات دينية محدودة للأطفال، وبدأت بعض الجمعيات التابعة للفصائل الفلسطينية، بتنظيم جلسات إفطار جماعية، وتوزيع محدود للمساعدات خاصة للأرامل والأيتام، بعضها كان يوزع في السر، بسبب الظروف الأمنية.

غير أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة جعلت رمضان شهر تحدٍّ مالي كبير، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل غير مسبوق، ما أبقى الضغط المعيشي حاضرًا بقوة، خاصة في السنوات التالية، ومع اشتداد الضائقة الاقتصادية، في 2020 (عام الكورونا)، وكان كل عام أقسى من سابقه، حتى جاء عام التحرير.

رمضان 2025 ورمضان 2026 في مخيم الحسينية لم يعد كما كان قبل 2012، لكنه أيضًا لم يعد كما كان في ذروة الضائقة. فثمة مزيج من الحنين والتكيّف؛ زينة بسيطة، موائد متواضعة، لكن روح جماعية تحاول استعادة ما يمكن استعادته من دفء الشهر الكريم.

ولعل أبرز ما ميز رمضان بعد التحرير هو عودة الكثيرين من أبناء المخيم إليه، سواء من كان في الشمال، أو من كانوا خارج البلاد، واستطاعوا العودة بعد سقوط النظام، إلا أن الغصة بقيت حاضرة على المائدة، بعد أن تلاشي الأمل في عودة المعتقلين والمختفين، بعد أن كان الأهالي يخصصون جلَّ دعائهم أملاً في عودتهم.

تحوّلات عميقة في المعنى

على امتداد اثني عشر عامًا، تغيّر رمضان في مخيم الحسينية في ثلاث مستويات أساسية اقتصاديًا، انتقل من موائد متنوعة إلى اقتصاد التقشف، ثم إلى محاولات التوازن بين الحاجة والكرامة، واجتماعيًا، إذ تحول من تجمعات عائلية واسعة إلى تشتت ونزوح، ثم إلى عودة تدريجية وإعادة نسج العلاقات، ورمزيًا وروحيًا، حيث تحوّل الشهر الفضيل من مناسبة احتفالية إلى مساحة للصمود، ثم إلى رمز لإعادة بناء المجتمع.

ويبقى رمضان في مخيم الحسينية مرآةً لتحولات المكان وأهله؛ فكما تغيّر المشهد العمراني والاجتماعي، تغيّرت طقوس الشهر الكريم، لكنّ جوهره ظلّ حاضرًا في التضامن، والصبر، والإيمان بإمكانية الغد الأفضل.

وربما كانت أكبر تحوّلات رمضان في مخيم الحسينية وعموم سورية أنه لم يعد مجرد موسم عبادة واحتفال، بل أصبح علامة على بقاء المجتمع حيًّا رغم كل ما مرّ به.

 

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة