مجموعة العمل – لندن
أكد التقرير السنوي الصادر عن مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية لعام 2025 أن تداعيات الحرب في سورية لم تقتصر على الدمار المادي الذي طال المخيمات والتجمعات الفلسطينية، بل امتدت لتصيب البنية الاجتماعية والنفسية للاجئين، في ما وصفه التقرير بـ”الدمار الصامت” الذي يهدد تماسك المجتمع ومستقبل أجياله.
وأشار التقرير إلى أن سنوات الحرب والنزوح، مقرونة بالانهيار الاقتصادي وغياب المعالجات المستدامة، أفرزت أزمات مركّبة داخل المخيمات، انعكست على منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية، ودفعت شرائح واسعة إلى أوضاع معيشية وإنسانية حرجة.
تفشي التسرب المدرسي وارتفاع عمالة الأطفال
رصد التقرير اتساع ظاهرة التسرب المدرسي في أوساط الأطفال الفلسطينيين، في ظل وقوع أكثر من 90% من اللاجئين تحت خط الفقر المدقع. وبيّن أن الضغوط المعيشية دفعت العديد من الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس وإدخالهم سوق العمل في سن مبكرة، خصوصاً بعد فقدان المعيل أو عجزه عن تأمين احتياجات الأسرة.
كما وثق التقرير استمرار حالات الزواج المبكر للفتيات القاصرات، في سياق محاولات بعض العائلات تقليص الأعباء الاقتصادية، وهو ما اعتبره انتهاكاً لحقوق الطفولة وتداعياً خطيراً على مستقبل الفتيات.
تراجع مؤشرات الاستقرار الأسري
وأوضح التقرير أن معدلات البطالة بين الشباب الفلسطينيين في سورية بلغت نحو 50%، ما انعكس مباشرة على القدرة على تأسيس أسر جديدة. وأدى ارتفاع تكاليف السكن ومتطلبات المعيشة إلى تأخر سن الزواج، وتزايد الشعور بالإحباط لدى فئة الشباب.
كما سجل التقرير تصاعداً في الخلافات الزوجية وحالات الطلاق، وربط ذلك بالضغوط الاقتصادية المتراكمة، إضافة إلى انتشار بعض الظواهر السلبية كالإدمان والعنف الأسري. وأشار إلى تراجع مظاهر التكافل الاجتماعي التي عُرفت بها المخيمات تاريخياً، في ظل تغليب أولويات البقاء الفردي على الروابط المجتمعية.
ذوو الإعاقة: هشاشة مضاعفة
وصف التقرير أوضاع اللاجئين الفلسطينيين من ذوي الإعاقة بأنها من الأكثر هشاشة، في ظل نقص الخدمات التأهيلية والدعم النفسي والاجتماعي. وسجل نقصاً واضحاً في الأجهزة المساعدة، بما في ذلك الكراسي المتحركة والأطراف الصناعية وأجهزة السمع.
وبيّن أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) قدمت خلال عام 2025 أجهزة مساعدة لـ 1,892 شخصاً، إلى جانب جلسات علاج طبيعي لـ 77 حالة، إلا أن التقرير اعتبر هذه الأرقام غير كافية قياساً بحجم الاحتياجات المتزايدة.
تفشي المخدرات وتداعيات نفسية متفاقمة
من أبرز المؤشرات التي توقف عندها التقرير تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات داخل بعض المخيمات، محذراً من تحولها إلى أزمة تهدد فئة الشباب بشكل خاص. وأرجع ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها البطالة، والضغوط النفسية الناتجة عن الحرب، والصدمات المرتبطة بفقدان الأقارب أو التعرض للاعتقال والقصف.
كما أشار إلى أن غياب الرقابة الفاعلة أسهم في تسهيل انتشار المواد المخدرة، الأمر الذي انعكس بزيادة حالات العنف والسرقة، فضلاً عن تسجيل حالات وفاة ناجمة عن جرعات زائدة، وفق ما وثقه التقرير.
وأكدت مجموعة العمل أن الأزمات الاجتماعية والنفسية لم تعد تداعيات عابرة للحرب، بل باتت تمثل تحدياً وجودياً يتطلب استجابة شاملة تتجاوز المعالجات الإغاثية المؤقتة.
ودعت المجموعة الجهات الدولية والمؤسسات المدنية إلى إعطاء أولوية لبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، وحماية الأطفال، وتمكين الشباب اقتصادياً، مشددة على أن إعادة إعمار البنية التحتية لن تحقق أثراً مستداماً ما لم تُقرن بإعادة ترميم الإنسان وضمان كرامته وحقوقه الأساسية.