الدراما حين تمشي فوق الدم: المغيبون الفلسطينيون في زمن الشاشة

نضال الخليل ـ مجموعة العمل

في هذا الرمضان، لا تُفتح الشاشة كنافذة للفرجة، بل كجرح يُعاد شقُّه بإضاءة عالية. الكاميرا تمشي في الممرات التي طالما مشت فيها الأقدام مكبلة، وتدخل الزنازين كأنها تكتشف قارة معتمة كانت تحت جلد البلاد.

الأصوات التي كانت تُهمس خلف الأبواب صارت حواراً، والصمت الذي كان يقطر من الجدران صار موسيقى تصويرية. غير أن السؤال لا يجيء من داخل المشهد، بل من خارجه؛ من البيوت التي ما تزال تضع كرسياً ناقصاً إلى الطاولة:

  • كيف نكتب حكاية الاعتقال فيما المعتقل لم يُعرف مصيره؟
  • كيف نمنح الخاتمة لمن لم يُمنح خبراً؟
  • أيجوز للدراما أن تضع نقطة أخيرة على سطر ما يزال صاحبه عالقاً في منتصفه؟

هناك في العتمة التي لم تتحول بعد إلى ماضٍ، يقف المغيب الفلسطيني من سوريا، لا كصورة درامية إنما كفراغ حي. اسمه لم يُغلق، وملفه لم يُطوَ، وزمنه لم يمضِ؛ وكل نص يقترب من الزنزانة يقترب منه أيضاً؛ من دمه الذي لم يجف بعد، ومن انتظاره الذي لم يتعلم أن يصير ذكرى.

المغيبون من فلسطينيي سوريا ليسوا استعارة، ولا تفصيلاً في حاشية المأساة؛ هم جزء من الجسد السوري الذي انكسر ولم يلتئم. لقد وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا” مئات حالات الاعتقال والاختفاء القسري بحق فلسطينيين في سوريا منذ عام 2011، فيما تحدثت تقارير منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” عن نمط ممنهج لجريمة الإخفاء القسري في البلاد.

غير أن الأرقام، مهما بلغت فداحتها، لا تحمل أنفاس الأمهات، ولا ارتجاف الأبناء، ولا انتظار البيوت التي لم تتعلم كيف تُنهي يومها. الاختفاء القسري ليس حدثاً يُستعاد، لكنه زمن يتوقف؛ هو غرفة لا ساعة فيها، وبيت لا يعرف إن كان عليه أن يحزن أم ينتظر.

الفلسطيني الذي دخل المعتقل ولم يخرج، لم يتحول إلى “قضية من الماضي” كي تُستدعى على الشاشة؛ إنه حاضر بغيابه، حي في تعليقه، يسكن الفجوة بين خبر لم يصل ونعش لم يُرَ.

الدراما بطبيعتها تحتاج إلى اكتمال: بداية، ذروة، خاتمة. لكن ماذا تفعل حين تواجه جريمة بلا خاتمة؟ هل تمنح الغائب مصيراً تخييلياً؟ هل تُقفل الملف على إيقاع موسيقي مؤثر، بينما الملف الواقعي ما يزال مفتوحاً على طاولة الانتظار؟

هنا تبدأ المعضلة الأخلاقية: الفن يريد أن يُنجز نصه، فيما الحقيقة ترفض أن تكتمل. أن تُعرض السجون اليوم بوصفها فضاءً درامياً هو فعل يبدو شجاعاً، لكن الشجاعة لا تكمن في كشف العتمة وحدها، بل في الاعتراف بأن هذه العتمة لم تنتهِ بعد.

المغيبون الفلسطينيون ليسوا مادة صادمة لإثارة الوجدان، ولا مشهداً يُستثمر لإنتاج تعاطف سريع؛ هم اختبار لصدق الخطاب، ولمدى قدرة النص على أن يحترم الجرح بوصفه مفتوحاً، لا بوصفه ذكرى. الخطر ليس في أن تُروى الحكاية، إنما في أن تُروى وكأنها اكتملت.

حين يُصفق المشاهد لنهاية حلقة، قد يشعر أنه شارك في واجب أخلاقي، أنه واجه الماضي، أنه تطهر؛ غير أن العدالة لا تتحقق بالتصفيق ولا بالدمعة. العدالة تبدأ حين يُعاد الغائب إلى اسمه، حين يُكشف مصيره، حين يُحاسب من جعله رقماً في سجل السر.

إن تحويل الاختفاء القسري إلى مشهد درامي قبل أن يُكشف مصير أصحابه يحمل خطراً مضاعفاً:

  1. أن يتحول الألم إلى مادة استهلاك.
  2. أن يُختزل الانتظار في صورة.

الفلسطيني الذي ما يزال أهله يطرقون الأبواب بحثاً عن خبر، لا يحتاج إلى نهاية مكتوبة، إنما إلى حقيقة مكتشفة؛ لا يحتاج إلى ممثل يؤدي دوره، بل إلى اعتراف يعيد له وجوده القانوني والإنساني.

الدراما ليست محكمة، لكنها قد تكون ضميراً، فإن أرادت أن تكون كذلك، فعليها ألا تمنح نفسها حق إغلاق ما لم يُغلق؛ أن تكتب وهي تدرك أنها تمشي فوق أرض غير مستقرة، فوق دم لم يجف، فوق أسماء ما تزال تُنادى في البيوت كل مساء.

المغيبون الفلسطينيون في سوريا ليسوا موضوعاً موسمياً، بل سؤال دائم؛ سؤال عن الدولة، عن السلطة، عن هشاشة الإنسان حين يُترك بلا خبر، وسؤال عن الفن نفسه: هل هو مساحة لمساءلة الجريمة، أم مساحة لتلطيفها سردياً؟

حين تُكتب الأعمال الدرامية على جراح لم تُقفل، فإنها تقف أمام مرآة قاسية؛ إما أن تعترف بنقصها، بأن حكايتها مؤجلة إلى حين ظهور الحقيقة، وإما أن تُوهمنا بأن الحكاية انتهت. وفي الوهم يكمن خطر آخر من الاختفاء: اختفاء الألم الحقيقي خلف صورة متقنة الإخراج.

الذين لم يعودوا بعد لا يطالبوننا بنصوص كاملة، بل بذاكرة يقظة. والذاكرة اليقظة لا تمنح الخاتمة لمن لم يُمنح مصيره؛ إنها تترك الباب موارباً، كما تركوه هم حين خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا.

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة