القصف لا يقتل فقط… بل يشرّد الأرواح قبل الأجساد

ظاهر صالح – مجموعة العمل

محتويات

تعيش مناطق واسعة في لبنان هذه الأيام فصولاً جديدة من معاناة النزوح القسري، في مشهد يعيد إلى الأذهان أشد فترات الأحداث والاجتياحات الإسرائيلية المتعاقبة قسوة. فمع تصاعد الغارات الجوية الإسرائيلية على مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، تحولت حياة المدنيين إلى جحيم من الرعب والدمار، مما دفع بآلاف العائلات إلى حمل أرواحها على أكفّها والفرار نحو الشمال ومناطق تبدو أكثر أمناً.

 

واقع ميداني مرعب

يشهد محيط العاصمة بيروت والمناطق الجنوبية ومناطق متفرقة في لبنان مشاهد مرعبة لأعمدة الدخان المتصاعدة من مواقع القصف، بينما تختلط رائحة البارود بدموع الأطفال الذين يغادرون منازلهم على عجل. وقد فاقم من حالة الذعر الجماعي التهديدات العلنية التي أطلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي، مطالباً سكان عشرات القرى والبلدات بإخلائها فوراً تمهيداً لقصفها. هذا الإنذار المبكر، وإن بدا إجراءً “تحذيرياً”، فإنه يضع المدنيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما البقاء في المنازل تحت رحمة القصف، أو النزوح إلى المجهول دون ضمانات بالعودة أو الأمان.

 

المخيمات.. حكاية مأساة متجددة

تتجلى قسوة المشهد الإنساني بشكل خاص في حالة العائلات الفلسطينية اللاجئة في لبنان، والتي تعيش اليوم فصلاً جديداً من فصول التهجير، وكأن النكبة تتكرر بأشكال متعددة. تتجه البوصلة نحو مخيمات الشمال التي تتحوّل مجدداً إلى ملاذ أخير. هؤلاء النازحون لا يحملون معهم فقط ذكريات النزوح الأولى، بل يحملون أوجاعاً متراكمة، وهشاشة صحية مزمنة، وخوفاً من مستقبل أكثر قتامة، وأسئلة وجودية عن معنى الأمان في زمن يغيب فيه الأمان عن الجميع.

أوضاع إنسانية وصحية متفاقمة

يشكل تدفق آلاف النازحين ضغطاً هائلاً على البنى التحتية المتهالكة أصلاً في مناطق الاستقبال. ومع تزايد أعداد المصابين وانتشار حالات الذعر والاختناق النفسي، تبرز تحديات صحية كبيرة في ظل نقص المستلزمات الطبية والمراكز الإيوائية. كما أن الأوضاع المعيشية الصعبة تهدد بكارثة إنسانية في حال استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة، خاصة مع صعوبة إيجاد بيوت للإيواء في فصل شتاء بارد، وتزايد الاحتياجات للغذاء والرعاية الصحية.

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى التطورات الميدانية والعسكرية، تبقى المعاناة الإنسانية الحقيقية لأبناء الجنوب والضاحية والبقاع – وإلى جانبهم العائلات الفلسطينية التي تعيش أزمة مضاعفة – هي التكلفة الأكبر لهذه المواجهات. مشاهد النزوح الجماعي اليوم تعيد صياغة أسئلة الحماية الدولية للمدنيين، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في وقف نزيف جديد يضاف إلى جراح لبنان المتعددة.

 

القصف لا يقتل فقط… بل يشرّد الأرواح قبل الأجساد
“لم تكن الصواريخ وحدها ما يقتل الطمأنينة”، يقول النازح أحمد حسن بصوت يختزل أربعين عاماً من العمر في لحظة ألم، ويضيف: “بل الارتجاجات المتواصلة التي أحدثت تصدعات في سقف المنزل. البقاء في المنزل تحول إلى مغامرة يومية غير محسوبة”. لم يعد الخيار أمام أحمد وعائلته سوى الرحيل، بعدما تحول الجدار الذي كان يحميهم إلى تهديد يتربص بهم.
أما خالد محمود، فيروي لحظة القرار المصيري قائلاً: “سقطت قذيفة قرب منزل العائلة. في تلك اللحظة، أدركت أن البقاء يعني الموت المحقق. لم نحمل معنا إلا ما وسعته الحقائب، وتركنا خلفنا سنوات من الذكريات”. مشاهد تتكرر بلا نهاية، وكأن الزمن يعيد نفسه في حلقة مفرغة من الألم.

 

الخوف من الموت البطيء
في المخيمات جنوباً، كان هاجس إغلاق الطرقات أكثر إيلاماً من القصف نفسه بالنسبة لعلاء إبراهيم، الذي يرافق والدته المريضة التي تحتاج لجلسات غسيل كلى مرتين أسبوعياً. يقول علاء بصوت مبحوح: “لم يكن الهروب من القصف فقط هو الدافع، بل الخوف من الموت البطيء بسبب الحصار. كنت أخشى أن تستيقظ أمي ذات صباح لتجد الطرقات مغلقة، ولا تجد من يوصلها إلى المستشفى”. في مشهد يختزل معاناة الآلاف من المرضى والجرحى، يتحول النزوح إلى ضرورة للحفاظ على النفس قبل حماية الروح.
في قلب المعاناة، تبقى النخوة ملاذاً أخيراً. فمنذ اللحظة الأولى لوصول العائلات النازحة، لم يقف أهالي المخيمات موقف المتفرج؛ إذ تحرك الشباب كخلية نحل في مبادرة تضامنية عاجلة تعكس أعمق معاني الإنسانية.
يؤكد الناشط سهيل الخطيب بحماسة المتعب: “كان استقبال العائلات النازحة واجباً إنسانياً قبل أن يكون مبادرة. هؤلاء الناس ليسوا غرباء، إنهم امتداد لنا في المحنة”. ويوضح أن شباب المخيم تحركوا بالتعاون مع أهل الخير لتأمين مساكن مؤقتة ومواد غذائية وحاجات أساسية، في وقت تعاني فيه وكالة الأونروا من عجز حاد في التمويل، تاركة الأهالي يواجهون العاصفة بإمكانياتهم البسيطة.
لكن السؤال الذي يظل معلقاً: إلى متى يمكن للمبادرات الفردية أن تسدّ الفراغ الذي يتركه غياب المؤسسات الدولية؟

 

فلسطينيو سوريا في لبنان.. حين يصبح الهامش هامشاً

إذا كان النزوح صعباً على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فهو مضاعف ومأساوي بالنسبة لفلسطينيي سوريا. فهؤلاء الذين فروا من الحرب في سوريا إلى لبنان، يعيشون وضعاً قانونياً واجتماعياً أكثر هشاشة، ويواجهون قيوداً صارمة في العمل والإقامة، مما يجعل أي نزوح جديد بمثابة نكبة مصغرة داخل الشتات.

في تطور جديد يعكس عمق المأساة، أبلغ نشطاء فلسطينيي سوريا في لبنان عن تلقيهم رداً من وكالة الأونروا يفيد بانتظار تمويل مُرجّح للاجئين القادمين من سوريا، دون تحديد أي موعد للصرف. هذا التمويل المعلق يطيل أمد المعاناة الإنسانية لفئة هي الأكثر هشاشة على الإطلاق، خاصة في ظل النزوح الجديد الذي أحدثه التصعيد الأخير.

كيف يمكن لإنسان أنهكته الحروب مرتين، أن ينتظر تمويلاً مرجحاً ليبقي على قيد الحياة؟

 

صرخة في وجه التقليصات

على وقع هذه الأزمات، يعيش جميع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تطوراً خطيراً يتمثل في إضراب شامل لموظفي ومعلمي الأونروا، احتجاجاً على سياسات تقليص الرواتب والمساس بالحقوق المكتسبة. الإضراب، الذي دعا إليه المؤتمر العام للعاملين، يهدد بتعطيل الخدمات الأساسية في وقت هم بأمسّ الحاجة إليها.

ويأتي هذا الإضراب وسط رفض واسع في المخيمات لخطة الطوارئ التي أعلنتها الوكالة، حيث تتهمها الأصوات الميدانية بتجاهل الاحتياجات الأساسية كالغذاء والرعاية الصحية، والانشغال بإجراءات إدارية على حساب الدم والدموع. إنها معادلة صعبة؛ فوكالة من المفترض أن تكون طوق نجاة، تتحول إلى مصدر قلق إضافي.

أرقام صادمة

في خضم هذا المشهد المأزوم، يطل علينا مصدر حقوقي بأرقام ومطالب صارخة تكشف حجم الكارثة الصامتة:

  • يؤكد المصدر أن نسبة النزوح من المخيمات الفلسطينية في لبنان لا تتجاوز الـ30%، مما يعني أن حوالي 150 ألف فلسطيني ما زالوا داخل هذه المخيمات يعيشون أوضاعاً مزرية تحت الحصار والخوف. هؤلاء ليسوا أرقاماً جامدة، بل عائلات تبحث عن لقمة خبز، وأطفال يحلمون بالعودة إلى مدارسهم، ومرضى ينتظرون جرعات الدواء.
  • وثّقت وزارة الشؤون الاجتماعية نزوح أكثر من 95,773 شخصاً في مراكز الإيواء الرسمية وحدها.
  • في 6 من هذا الشهر، سُجّل ما يُقدّر بنحو 1,300 نازح في مراكز الإيواء التابعة للأونروا، وتواصل الوكالة تسجيل وتوثيق بيانات العائلات.
  • تعمل الأونروا مع مجموعة من المنظمات الشريكة (منظمات مجتمعية، ومنظمات غير حكومية محلية ودولية) في مراكز الإيواء الطارئة التابعة لها لتوفير مجموعة متكاملة من الخدمات.

لا مكان للمزيد من البيانات

يحمّل المصدر المسؤولية بشكل مباشر للأونروا والفصائل واللجان الشعبية، مطالباً إياها ليس فقط بعقد اجتماعات وإصدار بيانات، بل بتشكيل خلية عمل على الأرض للحفاظ على الأمن الغذائي في المخيمات. فالوضع لا يحتمل مزيداً من البيانات التي تعلو فوقها صرخات الجوعى.

الأولويات

يضع المصدر أولوية قصوى لإنشاء مطابخ مركزية في كل المخيمات لتقديم الطعام والحصص الغذائية، وتسيير عيادات طبية متنقلة لتقديم الرعاية الصحية للأهالي والنازحين داخل المخيمات. فهذه الإجراءات ليست ترفاً، بل ضرورة قصوى للحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

تختصر الأرقام والشهادات الميدانية مشهداً يتكرر في حياة اللاجئين الفلسطينيين، بين نزوح فوق نزوح في سوريا ولبنان، وقلق يتجدد كلما اشتعلت نيران الحرب.

يبقى السؤال الأكبر: إلى متى تبقى المخيمات ملاذاً هشاً في زمن يغيب فيه الأمان عن الجميع؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته تجاه مئات الآلاف المحاصرين بين الفقر والمرض والحرب؟

التحدي الأكبر الآن ليس فقط في وقف القصف، بل في القدرة على مد يد العون لمن هم على حافة الهاوية. ففي النهاية، الإنسان ليس مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل قصة ألم تستحق أن تروى، وحلم بالعودة يستحق أن يتحقق.

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة